الياس شوفاني
333
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
بالسرعة القصوى ، وخصوصا في مقابل الضرر الذي قد يجلبه على الحركة الصهيونية ، جراء ردّات الفعل السلبية على ذلك التسلل غير الشرعي ، من قبل المراكز السياسية التي هي الركائز الأساسية التي يبني عليها هيرتسل آماله في تجسيد مشروعه - أي على الشراكة بين الصهيونية وتلك المراكز الإمبريالية . وخلال الأعوام الستة الأولى لقيامها ، أصرّت الحركة الصهيونية ، بقيادة هيرتسل ، على التشبث بأولوية الحصول على البراءة الدولية ، قبل فتح باب الهجرة الواسعة إلى فلسطين ، وخصوصا نتيجة قرار الحظر العثماني عليها . وفي غياب دعم يهودي واسع للمشروع الصهيوني ، وانعدام الثقل السياسي للمنظمة الصهيونية في تلك المرحلة ، كان هيرتسل مقتنعا بأن مشروعه سيبقى حبرا على ورق ، إذا لم يستطع تسويقه في مركز إمبريالي ، أو أكثر . وهكذا انطلق هيرتسل في حملة دبلوماسية واسعة النطاق ، قادته إلى عدد من العواصم الأوروبية وإستنبول ، حيث عرض خدمات الحركة الصهيونية على كل منها ، بالصورة التي اعتقدها تلبي حاجاتها ومصالحها في الشرق الأوسط ، على الرغم من تضارب العروض . وفي الأساس ، كان يطرح على رؤساء تلك الدول ، أو على بؤر سياسية فاعلة فيها ، تعاونا على أساس المصالح المشتركة ، مؤكدا لكل منها أن الكيان الصهيوني المزمع إقامته سيكون حارسا أمينا لمصالحها . وبداية أراد توظيف وساطة ساسة تلك الدول لدى السلطان العثماني لرفع الحظر عن هجرة اليهود إلى فلسطين والاستيطان فيها . ونتيجة الصداقة المترعرعة بين ألمانيا والسلطنة العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر ، والتي تكثفت إلى حد التحالف في الحرب العالمية الأولى ، رأى هيرتسل أن وساطة قيصر ألمانيا لدى الباب العالي ، سترفع الحظر العثماني عن هجرة اليهود إلى فلسطين . في المقابل ، خطط هيرتسل لاستغلال الأطماع الألمانية في فلسطين ، من جهة ، ورغبة القيصر ويلهلم الثاني ( 1888 - 1919 م ) الدفينة في التخلص من الأعداد الكبيرة من اليهود في بلاده ، أو على الأقل ، إبعاد العناصر المشاركة منهم في الحركات اليسارية والثورية المناوئة له ، من جهة أخرى . وانتهز هيرتسل فرصة زيارة القيصر للقدس ( 1898 م ) ، وسافر للقائه هناك . واقترح هيرتسل على القيصر أن تتبنى ألمانيا الحركة الصهيونية ، وبالتالي تتوسط لدى السلطان لمنحها « الأرض الواقعة بين الفرات والنيل للاستيطان . » ولكن القيصر لم يتحمس للفكرة ، وكان رده فاترا ، إذ لم يشأ أن يتسبب في توتير العلاقة بين بلاده والسلطنة العثمانية ، بل على العكس ، كان يسعى لتطوير الصداقة بينهما ، في إطار المسألة الشرقية و « اندفاع الألمان إلى الشرق . »